الصفحة الرئيسية

 

مجلة المجلة تحاور رئيس الجمعية

"العادل: العرب والأتراك يتجهون نحو مصالحة تاريخية"

 

قال محمد العادل، الخبير في العلاقات العربية التركية، إن العلاقات العربية التركية تشهد إعادة تصحيح لمسارها، مؤكدا أن العرب والأتراك يتجهون اليوم نحو مصالحة تاريخية تؤسّس لعلاقات استراتيجية بين الطرفين

ارتبط العرب والأتراك بتاريخ طويل ومتنوع من العلاقات الدينية والاجتماعية والثقافية في زمن الإمبراطوية العثمانية التي حكمت العالم العربي زهاء أربعمائة سنة ، وحين انهارت تلك الإمبراطورية انهارت تلك الوحدة حيث استقلت تركيا وبقيت معظم الدول العربية تحت سيطرة الدول الاستعمارية التي كان لها الدور الأكبر في فك الارتباط التاريخي والثقافي بين العرب والاتراك.

في حوار مع الخبير في العلاقات العربية التركية والعلاقات التركية الأفريقية الإعلامي و الباحث التونسي – التركي الأستاذ محمد العادل الرئيس المؤسس للجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون و مدير المعهد التركي العربي للدراسات، ورئيس تحرير مجلّة الحوار التركي العربي طرحت المجلة على الأستاذ العادل جملة من الأسئلة ذات الصلة بواقع ومستقبل العلاقات العربية التركية التي أجاب عليها من موقع خبرته بالساحتن العربية ولتركية، في إطار الحرص على هذه الرابطة من عواقب الأزمات والمؤامرات.

وفي رصيد الأستاذ العادل العديد من المساهمات التي تذكر فهو من النشطاء في مجال العلاقات العربية التركية من خلال دراساته و كتاباته و مشاركاته في العديد من المؤتمرات العلمية و الثقافية و الإعلامية وهو يرفع دوما شعار( التقارب العربي التركي ضرورة استراتيجية) وقد أسس لهذا الغرض الجمعية التركية العربية للعلوم و الثقافة والفنون في العاصمة التركية أنقرة لتكون جسرا ثقافيا يساهم في تحقيق التواصل الحضاري والتعاون الاستراتيجي بين العرب و الأتراك.

والأستاذ العادل وجه إعلامي معروف، له حضوره المتميز في الإعلام العربي و التركي وقد عمل العادل مذيعا لأول نشرة إخبارية ناطقة باللغة العربية في إحدى الفضائيات التركية وهو من الذين يدعون الى صحافة تركية ناطقة باللغة العربية وها هو حلمه بدأ يتحقّق فتركيا تستعد لإطلاق أول فضائية باللغة العربية. وعن العرب و الأتراك أو كما يحلو للأستاذ العادل تسميتها ( الأسرة العربية التركية ) كان الحوار الذي أجرته معه في أنقرة الدكتورة رشيدة أحمد المراسي .

شراكة استراتيجية عربية تركية

v كخبير في الشأن التركي ، كيف تقيمون مستوى العلاقات العربية التركية ؟

العلاقات العربية التركية تشهد إعادة تصحيح لمسارها، فالعرب والأتراك يتجهون اليوم نحو مصالحة تاريخية تؤسّس لعلاقات استراتيجية بين الطرفين ستساهم في تقديري في تغيير الكثير من المعطيات والمعادلات في المنطقة، خاصّة وأن المنطقة العربية وساحة الشرق الأوسط تحديدا التي تعتبر تركيا جزءا منها تحوّلت الى مركز أزمات و صراع لنهب ثروات شعوب المنطقة ، فالمنطقة العربية اصبحت عقب الاحتلال الأمريكي للعراق معرّضة الى تقسيمات أخرى أورسم خارطة جديدة ستزيد دون شكّ من حالة التفتت التي تعانيها المنطقة أساسا. فعودة الدفئ للعلاقات التركية العربية و الحماس الذي تشهده في الطرفين سيساعد دون شك شعوب و دول المنطقة على عرقلة و إفشال مشروعات الهيمنة الجديدة و مخطّطات التقسيم التي تتعرّض لها.

لاشكّ أن الغرب سواء بشكل مباشر أو عبر تلاميذه النجباء في الساحتين العربية و التركية قد سعى دوما و لايزال إلى عرقلة أيّ تقارب عربي تركي، واستغلّ نزعات قومية من الطرفين في مراحل معينة لتغذية روح العداء والتنافر بين العرب والأتراك الذين تجمعهما مشتركات التاريخ و الحضارة و الدين و الجوار .
إننا نلمس اليوم شعورا بارزا لدى القيادات و النخب العربية والتركية بضرورة التخلّص من سلبيات الماضي والعمل على استثمار المشترك الإيجابي لبناء رؤية جديدة تؤسّس لشراكة استراتيجية بين الطرفين و تساهم في رسم مستقبل أفضل لدول و شعوب المنطقة .

العرب و الأتراك أسرة واحدة و مستقبلهم واحد

 vسياسة التتريك اساءت كثيرا إلى علاقة العرب بالأتراك ، ما حقيقة تلك السياسة ؟ و إلى أب مدى تمّ تجاوز تلك المرحلة ؟

في تناولي للعلاقات العربية التركية أركّز دوما على ضرورة البحث في المشترك الإيجابي ، وتجاوز السلبي منه، لأنني أرى العرب و الأتراك أسرة واحدة وأن مستقبلهم واحد. و يمكننا تجاوز تلك الخلافات بتعزيز الثقة بين الطرفين و تنمية الشعور بأن مستقبلنا واحد وأننا أسرة واحدة، وبالتالي يجب أن نحافظ على كيانها و نعمل على تقوية أساساتها وأطرافها ، بمعنى آخر يجب ألاّ ننشغل بالقضايا الجانبية والهامشية عن الأولويات في هذه العلاقة و المرتبطة أساسا بمصير هذه المنطقة و مستقبل شعوبها .

أمّا فيما يتعلّق بعلاقة الدولة العثمانية بالبلاد العربية فأنا من الذين يدعون الى ضرورة إعادة قراءة تاريخ العلاقات العربية التركية برؤية علمية وعقلانية بعيدا عن أية نزعات قومية أو مذهبية، لأنني مقتنع بأن جزءا كبيرا من التاريخ المكتوب لدى الطرفين العربي و التركي هيمنت عليه المبالغات والتأويلات التي توجهها دوافع عرقية أو غيرها، ولا أريد أن أقول بأن كلّ ما كتب في تاريخ العلاقات العربية التركية خاطئ ، بل ان قسما كبيرا منه يجب مراجعته و إعادة قراءته. ولاشكّ أن الدولة العثمانية المترامية الأطراف قد حصل من بعض ولاّتها تجاوزات لا تعني بالضرورة هي السياسة التي ينتهجها مركز الدولة في اسطنبول آنذاك، أمّا ما يقال عن أن الدولة العثمانية انتهجت سياسة التتريك في بعض البلاد العربية فأعتقد بأن الواقع لا يؤكّد ذلك، فلو كانت الدولة العثمانية فرضت اللغة التركية في البلاد العربية لكان معظم العرب اليوم يتحدثون التركية، والحقيقة أن معظم السلاطين العثمانيين كانوا أكثر تأثّرا باللغة العربية وثقافتها وفنونها التي نقلوها الى اسطنبول.
فالدولة العثمانية في تقديري لم تنتهج سياسة لنشرالثقافة واللغة التركية في الولايات التي حكمتها بضعة قرون لأنّ منطلقاتها دينية وحضارية وليست دوافع استعمارية كما كان الحال بالنسبة للاستعمار الفرنسي أو البريطاني الذي فرض لغته و ثقافته اينما حلّ .

تركيا تتصالح مع ماضيها و موروثها و محيطها

v عندما تأسست تركيا الكمالية كانت القطيعة واضحة مع الموروث الشرقي بما فيه الديني ، ماهي برأيك آثار ذلك النهج على هوية تركيا وعلاقاتها بالمحيطين العربي والاسلامي؟

مشروع الجمهورية التركية ذاته كان في تقديري ليس قطيعة مع المحيط العربي و الإسلامي فقط بل شكّل قطيعة مع عمق الثقافة التركية وموروثها الحضاري، فالمدرسة الكمالية التي قادت مشروع الجمهورية التركية وبرغم أنها رفعت شعارات قومية تركية برّاقة كانت منذ البداية في خصومة مع ذاتها وماضي وطنها وتاريخه العريق، لذلك قاطع الكماليون الثقافة التركية الأصيلة مقابل جلب قوالب ثقافية من الغرب نتج عنها حالة من التذبذب في التركيبة الثقافية للمواطن التركي. بالاضافة الى أن هذه الثقافة المستوردة والغريبة عن المجتمع التركي تحولت الى مناهج تعليمية، وسياسات ثقافية فرضتها الحكومات الكمالية المتعاقبة الأمر الذي أنتج أجيالا تركية ترى كلّ شيء بعيون غربية و تفكّر بعقول غربية أيضا.

وإذا اضفنا الى ذلك حالة الصراع بين الدين و الدولة التي انطلقت مع ميلاد الجمهورية التركية فإن كل هذه العناصر وغيرها كانت السبب الرئيسي وراء أزمة الهوية التي لا تزال تركيا تتخبّط فيها. لكن مع تراجع المدرسة الكمالية و حالة الانحسار التي تعيشها ظهرت منذ الستّينيات ثقافات بديلة تطوّرت بشكل تدريجي حتى وصلت بتركيا اليوم الى أجيال مختلفة في الرؤية والتفكير تسعى للتصالح مع ماضيها و موروثها و محيطها.

v لم يوظف العرب النفط لتفعيل علاقاتهم مع الأتراك الذين يجيدون التخاطب بلغة المصالح ، ماهي برأيك آثار ذلك السلوك العربي على تاريخ العلاقات العربية التركية؟

أعتقد أنه اذا اجتمعت الامكانات النفطية العربية الى جانب النهضة الصناعية التركية لكان بالإمكان تحقيق الكثير من الانجازات للطرفين، لكنّ أزمة الثقة التي كانت تخيّم على العلاقات بين الجانبين وانشغال دول المنطقة بقضايا داخلية وهامشية فوّت على العرب في مرحلة سابقة فرصة استثمار الثروة النفطية لتفعيل علاقاتهم مع الأتراك. لكن يبدو لي أن العرب اليوم يتداركون ما فات وبدأت الظروف تتهيأ لإقامة شراكة حقيقية بين العرب والأتراك، خاصة منذ وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة في تركيا والذي يولي العلاقات التركية العربية أهمّية كبيرة، و مما يدعو إلى التفاؤل أن معظم القيادات العربية يقابلون هذا التوجه التركي بروح إيجابية.


التقارب العربي التركي سيساعد بكلّ تأكيد على تجاوز عقبات الماضي

v تمثل تركيا عمقا استراتيجيا بالنسبة للعرب بالإضافة ، هل نجحت برأيك السياسات الإستعمارية في فكّ ذلك الإرتباط ؟

لاشكّ ان الاستعمار حقق نجاحا كبيرا في فرض القطيعة بين العرب والأتراك، لكنّ تلك القطيعة ما كان لها أن تستمرّ لسنوات طويلة لو لا وجود أنصار لها في الجانبين التركي و العربي، الأمر الذي جعل تلك الجدران الوهمية بين العرب و الأتراك تزداد سماكة. لكنّ أجيال اليوم في الطرفين العربي والتركي أصبحوا أكثر وعيا بخطورة تلك المخطّطات الاستعمارية، لذلك نلاحظ أن رؤية جديدة و حركية غير معهودة في العلاقات بين العرب والأتراك بدأت تتخلّص شيئا فشيئا من الحواجز النفسية المفتعلة لترقى بهذه العلاقة الى المستوى الاستراتيجي. فتركيا ترى في محيطها العربي والإسلامي عمقا استراتيجيا و تدرك أن أمنها القومي مرتبط بأمن المنطقة، ويبدوأن نفس النظرة بدأت تحرّك الجانب العربي الذي أصبح يرى في تركيا شريكا استراتيجيا لم يعد بالإمكان الاستغناء عنه في ظلّ الظروف الحرجة التي تمرّ بها المنطقة .

ولعلّ التطور الكبير الذي تشهده العلاقات السورية التركية يشكّل أكثر النماذج الناجحة في هذا الاطار. فحماس الإرادة السياسية لدى الجانبين العربي والتركي الى جانب المساندة الشعبية لهذا التقارب العربي التركي سيساعد بكلّ تأكيد على تجاوز عقبات الماضي.

الحضورالإسرائيلي في تركيا وجد الساحة مفتوحة

v شهدت العلاقات التركية الاسرائيلية مرحلة ازدهار وتنسيقا عالي المستوى ، برأيك ما هي الرمزية التاريخية التي تميز تلك العلاقة خاصة وأن تمثال "أبو الأتراك " مصطفى كمال أتاتورك ينتصب في قلب تل أبيب في ساحة يطلق عليها مزرعة أتاتورك؟

قسم كبير من الإعلام العربي يصف دوما العلاقات التركية الإسرائيلية بأنها علاقات استراتيجية وهذا غير صحيح، فالعلاقات بين تركيا وإسرائيل كانت و لا تزال تعيش أزمة ثقة بين الطرفين، لأن الأتراك قيادة و شعبا لا يثقون بإسرائيل ويرون في إسرائيل خطرا على أمنهم . والأتراك يراقبون اليوم الدّور
المشبوه الذي تقوم به إسرائيل في العراق و خاصة مساندتها لمشروع الدولة الكردية في الشمال. الأمر الذي تعتبره تركيا تهديدا مباشرا لأمنها ووحدة أراضيها، لذلك فالأتراك لا ينظرون إلى إسرائيل كدولة صديقة بل على العكس يراها معظم الشعب التركي دولة مغتصبة لحقوق الشعب الفلسطيني .

صحيح أن إسرائيل نجحت في صناعة أصدقاء لها داخل تركيا عبر قنوات الإستثمار و الإعلام مستخدمة في ذلك الجالية اليهودية ( هم اليوم مواطنون أتراك ) والذين استضافتهم الدولة العثمانية إبّان تهجيرهم من إسبانيا، و هذا الحضورالإسرائيلي في تركيا وجد الساحة مفتوحة أمامه في ظلّ غياب عربي وإسلامي كامل. أمّا اليوم فالمستثمرون العرب يسجلون حضورهم في الساحة التركية، ويتوجّهون للاستثمار أيضا في قطاع الإعلام داخل تركيا و هي خطوة على الطريق الصحيح .
زمن الانقلابات العسكرية في تركيا قد ولّى بدون رجعة

v بوصول حزب العدالة و التنمية الى سدة الحكم في تركيا تراجعت العلمانية الكمالية وظلت المؤسسة العسكرية تشخص بعيون الحذر الى الحدث، ما اعتبره البعض نذيرا حقيقيا بمرحلة من الانقلابات الجديدة والالتفاف على الحريات. هل ستنجح برأيك الحكومة الحالية في الحفاظ على مكاسبها وشرعيتها في مواجهة الجنرالات الاتراك؟ وما هو شكل العلاقة المنتظرة بين الاسلاميين والعلمانيين ؟

لابد من التوضيح بأنّ حزب العدالة و التنمية الحاكم في تركيا ليس جماعة اسلامية ، بل هو تحالف سياسي بين ثلاثة تيارات هم التيار الإسلامي المعتدل و التيار القومي المحافظ و التيار العلماني اللبرالي، و بالتالي فحزب العدالة و التنمية ليس حركة تحكمها قوالب ايديولوجية محدّدة فهو حزب براغماتي و ائتلاف على أجندة اصلاح سياسي و اقتصادي لاغير .

أعتقد بأنّ زمن الانقلابات العسكرية في تركيا قد ولّى بدون رجعة، و ليس ذلك بسبب وصول حزب العدالة و التنمية الى السلطة بل بسبب عمق التحولات الاجتماعية والسياسية و صلابة مؤسسات المجتمع المدني في تركيا التي لم تعد تستسيغ الانقلابات العسكرية أوتقبل بها .

أمّا فيما يتعلّق بمستقبل العلاقة بين الاسلاميين و العلمانيين ، فمساحات الصراع بينهما تبقى مفتوحة لكنّها تتمّ دوما في أطر قانونية لا تخلّ بالأمن العام للبلاد ، فالصراع بين هاتين الجبهتين يعكس في بعده أزمة الهوية في المجتمع التركي، و كلّ طرف يدافع عن النمط المجتمعي الذي يريده عبر الوسائل القانونية والأطر الديمقراطية .

التجربة الديمقراطية التركية لها خصوصيتها

v هل يمكن أن تكون تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجا صالحا للبلدان العربية ؟

التجربة الديمقراطية في تركيا تعتبر دون شكّ نموذجا مهمّا يمكن للبلاد العربية الاستفادة منه، لكن تبقى للتجربة الديمقراطية التركية خصوصيتها، و بالتالي فالعرب لا يحتاجون في تقديري الى استيراد نموذج معيّن من الديمقراطية وإنما العمل على صياغة نموذج عربي للديمقراطية يتناسب والمكونات الاجتماعية و الثقافية للمجتمعات العربية.

لم يعد هناك ملفّات عالقة بين تركيا و العرب

v برأيك ما آفاق التعاون التركي العربي في تقاسم صنبور المياه ؟

قضية المياه بين تركيا و كلّ من سوريا و العراق يبدو أنها في طريقها الى الحلّ النهائي ، لأنّ نظرة قادة تركيا اليوم الى المنطقة و خاصة لدول الجوار مختلفة عن نظرة أسلافهم الذين حكموا تركيا لسنوات طويلة وانتهجوا سياسات مستفزّة للمحيط العربي والإسلامي كان على رأسها منع العراق و سوريا من حقّهما الشرعي في المياه، و لاشكّ أنّ سياسة الأستفزاز التي انتهجتها الحكومات التركية السابقة هي التي دفعت بعض الدول المجاورة لتركيا لمساندة حزب العمّال الكردستاني الذي تعتبره أنقرة تنظيما إرهابيا ، هذا الفعل و ردّ الفعل أحدث شرخا كبيرا في العلاقات بين تركيا و دول الجوار العربية و عطّل آليات الحوار في قضايا أساسية كملفات المياه والأمن والحدود وغيرها، أمّا القيادات التركية اليوم فأعلنت أكثر من مرّة أنه لم يعد هناك ملفّات عالقة مع العرب ودول الجوار خاصة وأن كلّ الملفّات مطروحة للحوار والتفاوض بما يضمن مصالح جميع الأطراف، و لاشكّ أن الدبلوماسية النشطة التي قادتها الحكومة السورية تجاه أنقرة والتطوّر الكبيرالذي شهدته العلاقات التركية السورية في وقت قياسي قد نجحت من خلاله دمشق في تجاوز العديد من العقبات و شجّعت الأتراك على إقامة شراكة استراتيجية مع سوريا إدراكا من أنقرة أنّ أمنها مرتبط بأمن جارتها سوريا، وأن تركيا التي تبحث عن دور اقليمي في المنطقة لابدّ لها أن تمرّ الى العرب عبر بوابة دمشق.

المصالحة مع محيطها العربي والإسلامي.. حركة تصحيحية لمسار تركيا

v أعربت السياسة الجديدة في تركيا عن مرونة عالية في التعاطي مع العرب في اتجاه خطة لتفعيل علاقاتها مع البلدان العربية والافريقية. برأيك ماهي أهمية هذا التوجه في الوقت الراهن؟

تشهد تركيا تحوّلات كبيرة على مستويات عديدة اجتماعية، ثقافية، سياسية واقتصادية ، فالإيديولوجية الكمالية التي حكمت تركيا لسنوات طويلة والتي تحوّلت الى عقيدة سياسية كانت الأجيال التركية السابقة تنظر لها نظرة قدسية أصبحت اليوم مجرّد مرحلة تاريخية، لأن الجيل التركي الجديد لم يعد ير في الكمالية خلاصه ، بل يحمّلها مسؤولية انحسار تركيا بعد ان كانت قلبا لامبراطورية عظيمة حكمت جزءا كبيرا من العالم ، فالتوجهات التركية الجديدة نحو البلاد العربية والإفريقية هي كما يعتبرها القادة الأتراك الجدد حركة تصحيحية لمسار تركيا و هو المصالحة مع محيطها العربي والإسلامي، وانتهاج سياسة متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية، فهي في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقاتها التقليدية مع الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية تتجه أيضا لاقامة علاقات تعاون مع بقية الفاعلين الدوليين مثل روسيا والصين، وفي إطار سياسة التوازن الجديدة التي تنتهجها تركيا أعلنت منذ 2003 عن استراتيجية جديدة لتفعيل الشراكة مع الدول العربية والإسلامية والإفريقية، الأمرالذي دفعها الى السعي لتولى الأمانة العامة في منظمة المؤتمر الاسلامي، و الحصول على العضوية كمراقب في كلّ من الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي .

لاشكّ أن هذا التوجه التركي الجديد للمصالحة مع محيطها العربي والإسلامي يأتي في ظرف تاريخي مهم تمرّ به المنطقة بعد احتلال العراق وتداعياته على أمن المنطقة و مستقبلها، لذلك أعتقد بأن الشراكة العربية التركية لو تمّ تطويرها في محتلف المجالات لساهمت في بناء مستقبل أفضل للمنطقة و لأفشلت مخططات الهيمنة و التقسيم التي تتعرّض لها .

اختيار تركيا كوسيط بين دمشق و تل أبيب .. نجاح كبير للدبلوماسية السورية

v لماذا في رأيك اختارت سورية تركيا للتوسّط بينها و بين إسرائيل و هل ستنجح تركيا في مصالحة الخصمين اللدودين؟

لاشكّ أنّ اختيار دمشق لأنقرة لتكون الوسيط في مفاوضاتها مع إسرائيل يعكس البعد الإستراتيجي للعلاقات بين تركيا و سوريا، والمستوى الكبير من الثقة التي تجمع قادة البلدين. و قد شكّل هذا الاختيار نجاحا كبيرا للدبلوماسية السورية لأنها عزّزت بذلك علاقاتها مع جارتها تركيا وأدخلت طرفا إقليميا فاعلا في هذا الملفّ الذي كان يدار من واشنطن التي تضع دوما الأولوية لأمن اسرائيل على حساب مصالح دول وشعوب المنطقة، وكذلك فإنّ تركيا تعتبر الدولة الأقدر في المنطقة على رعاية المفاوضات السورية الإسرائيلية بحكم علاقاتها مع إسرائيل من جهة و علاقاتها التقليدية مع كل من الإدارة الأمريكية و الاتحاد الأوروبي، و هذا ما يعزّز حظوظ نجاح هذه المفاوضات، وضيّق الخناق على إسرائيل التي كانت تسعى دوما لإبعاد تركيا عن قضايا الشرق الأوسط، وكانت تحاول كسب أنقرة في صفّها ضدّ العرب، أمّا اليوم فالمعادلة قد تغيّرت بعد أن تحولت العلاقات التركية السورية الى شراكة استراتيجية . كما أن الدور التركي في المفاوضات السورية الإسرائيلية تناغم مع طموحات انقرة لتسجيل حضور أكبر في المنطقة .

طموحات إيران

v هل هناك احتمالية لحدوث تحالف تركي عربي فارسي رغم التحفظ على الطموحات الأمبراطورية لكلّ من أنقرة و طهران ؟

في تقديري ليس بالأمكان الحديث عن محور يمكن أن يجمع العرب و تركيا و إيران، لأنّ طموحات إيران لا تتناغم مع مصالح غالبية دول المنطقة، فإيران دولة اقليمية كبرى لكن ليس في حساباتها أن تكون شريكا استراتيجيا مع بقية دول المنطقة لأن شعاراتها المذهبية تسبق دوما مواقفها السياسية، و يبدو أن الاحتلال الأمريكي للعراق كان خدمة مجانية لإيران ، وقد استفادت طهران من احتلال العراق أكثر مما استفادت منه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فهذا الاحتلال عزّز طموحات إيران لدور اقليمي أكبر من خلال التوسع المذهبي أولا، و هو ما أصبح يشكّل قلقا كبير للدول السنّية في المنطقة ومنها تركيا. لذلك فأنا أرى ان التقارب العربي التركي سيساعد الدول السنّية في المنطقة على وقف المدّ الشيعي وليس من المصلحة التصادم معه لأن حدوث لأيّ صدام سنّي شيعي لاقدّر الله سيسهّل تنفيذ مخطّطات الهيمنة الكاملة والتقسيم التي تتعرّض لها المنطقة .

وتركيا التي تجمعها علاقات سياسية واقتصادية كبيرة مع إيران ليس من مصلحتها التصادم مع جارتها، فتركيا تبقى شريكا إقتصاديا كبيرا لإيران وهي محتاجة دوما للغاز الايراني، وتطمح أن تكون المعبر للنفط الإيراني نحو الأسواق الأوروبية، ويتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 8 مليارات دولار. بالإضافة الى حساسية الملفات الأمنية بين البلدين سواء فيما يتعلّق بالوضع داخل العراق و مشروع الدولة الكردية الذي يقلق الطرفين ، ومسألة حزب العمّال الكردستاني أيضا، كل ذلك يجعل إمكانية الصدام بين أنقرة و طهران غير واردة.

أنقرة تستثمر مسيرتها الأوروبية

v كيف تنظر إلى مستقبل العلاقات التركية الأوروبية في ظلّ الرفض الأوروبي المتزايد لعضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي؟

من الواضح أن مساعي تركيا للإنضمام للإتحاد الأوروبي قد وصلت الى طريق مسدود فالرفض الأوروبي أصبح علنيا، وخاصة الموقف الفرنسي، بالاضافة الى الرفض الشعبي المتزايد في أوروبا لانضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، و المفارقة العجيبة أن معظم العواصم الأوروبية التي ترفض أو تماطل في قبول تركيا عضوا كاملا في الإتحاد الأوروبي تسعى في الوقت نفسه الى إبقاء تركيا معلّقة بآمالها تجاه أوروبا. و هو ما يؤكّد بأنه ليس هناك حتّى اليوم موقفا أوروبيا موحدا تجاه تركيا، لكن من الجانب التركي أصبحت مسألة العضوية في الإتحاد الأوروبي من أكثر الملفات جدلا في الساحة التركية، وبدأ التيّار الشعبي المعارض للعضوية يتعاظم في تركيا و حجّته في ذلك أن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي ستفقد تركيا استقلالها وستجعلها مجرد تابع لخيارات الإتحاد الأوروبي التي قد تتعارض مع مصالح تركيا.

بالاضافة الى أن هذا التيار التركي المعارض لانضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي يرى بأن تركيا لم تعد بحاجة للأوروبيين خاصة من الناحية الاقتصادية، وهذا التيار يدرك بأن الرفض الأوروبي لعضوية تركيا مبعثه الخوف من الهوية الإسلامية لتركيا وموروثها الحضاري. بل إن العديد من القيادات التركية ترى أن مسيرة العضوية في الإتحاد الأوروبي، هي مجرّد مرحلة لاستثمار الضغوط الأوروبية لتحقيق المزيد من الإصلاحات السياسية في الداخل لتقليص هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي في أنقرة، و دفع حركة الديمقراطية في البلاد ، و حال تحقّق ذلك قد تطلب تركيا رسميا التخلّي عن مطلب العضوية في الإتحاد الأوروبي . 

المسألة الكردية

v فيما يتعلّق بالأمن القومي لأنقرة كيف تقيّمون ملامح تسوية المشكلة الكرية في ظلّ التعنت التركي ؟

المسألة الكردية في تركيا من الملفات المزمنة التي لا تزال تبحث عن حلّ ينهي هذه الأزمة التي تؤثّر تأثيرا سلبيا كبيرا على أمن البلاد وحركة التنمية فيها.

المسألة الكردية في تركيا تحتاج في تقديري الى حلّ شامل يبدأ بالاعتراف بالحقوق الثقافية والاجتماعية و الاقتصادية والسياسية للمواطنين الأكراد، لكن تركيا تدفع اليوم ثمن أخطاء الحكومات التركية المتعاقبة التي تعاطت مع القضية الكردية على أنها مسألة امنية فقط، ووضعت المواطنين الأكراد في خانة واحدة مع حزب العمّال الكردستاني الذي يقود عملا مسلحا ضد تركيا منذ الثمانينيات.

فالأكراد في تركيا ليسوا أقلّية، فهم جزء مهم من نسيج المجتمع التركي، و كان يفترض أن يتم احتوائهم في إطار تعزيز ثقافة المواطنة والمساواة مع بقية الأعراق في المجتمع التركي. لكن التعاطي القومي التركي المتشدّد مع المسألة الكردية فوّت على تركيا فرصا كثيرة لحلّ هذه الأزمة. و يبدو أنّ هناك توجّها واضحا لحكومة العدالة والتنمية لتعزيز الحقوق الأساسية للمواطنين الأكراد مع الإهتمام بالتنمية الاقتصادية في مناطقهم، في محاولة لتضييق الخناق على حزب العمّال الكردستاني وإجباره على التخلّي عن العمل المسلّح. لكن هذا التوجّه يعيش حالة من التعثّر بسبب انزعاج بعض مراكز النفوذ داخل تركيا من هذا التوجه و سعيها لإبقاء الوضع على ما هو عليه لأنها مستفيدة من هذا الوضع المتأزّم.

v بحوزة تركيا آلاف المخطوطات التي تخص تاريخ العرب والأتراك وتحتفظ بها ضمن الأرشيف العثماني، كيف يمكن للعرب برأيك الاستفادة من هذه الوثائق ؟

مركز الأرشيف العثماني باسطنبول مفتوح أمام الباحثين من جميع أقطار العالم، و قد عبّر لي أحد المسؤولين في المركز يوما عن ألمه حين قال لي أن أعداد الباحثين اليهود القادمين من إسرائيل خاصة يتزايد في مركز الأرشيف العثماني. في حين أن عدد الباحثين العرب داخل المركز لا يكاد يذكر، فالمطلوب هو أن تتوجّه الجامعات و مراكز الأبحاث العربية لارسال بعثات من الباحثين بشكل دائم للبحث في الأرشيف العثماني عن الوثائق المتصلة بتاريخ البلاد العربية، و حقوقها لا سيما في فسلطين و غيرها. كما أن المكتبات التركية القديمة غنية بالمخطوطات التي لم يتم تحقيقها بعد، و يفترض أن تهتم المؤسسات العلمية و البحثية العربية بهذا الأمر.


 

الصفحة الرئيسية