|
رئيس
الجمعية التركية العربية للعلوم و الثقافة و الفنون لـ العرب
توجه
أنقرة نحو العرب استراتيجي و خيار دولة
حوار- منار الرشواني
اعتبر
الأستاذ
محمد العادل، رئيس مجلس إدارة «الجمعية التركية العربية للعلوم
والثقافة والفنون» في أنقرة، أن التوجه التركي نحو البلاد العربية هو
توجه استراتيجي، يمثل خيار دولة، وليس خيار حكومة «العدالة والتنمية»
فقط.
وفي مقابلة على هامش مشاركته في منتدى الدوحة للديمقراطية والتنمية
والتجارة الحرة، دعا العادل العرب إلى تجنب التشكيك في الدور الإقليمي
التركي، بل ومساندته ودعمه.
v
قبل
أيام أعلنتم مع مجموعة من الشخصيات التركية عن تأسيس «الجمعية التركية
العربية للعلوم والثقافة والفنون». فما هي الدوافع وراء تأسيس هذه
الجمعية، وبالتالي الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها؟
¯
لم يأت تأسيس هذه الجمعية من باب الصدفة، بل هو نتاج لجهد سنوات من
الخبرة والتجربة في تركيا. فمن حقيقة أنني مواطن تركي ذو جذور عربية،
أمكن لي أن أرى الأمور بعين تركية وعين عربية في الآن نفسه، أو رؤية
تركية ورؤية عربية، وصولاً إلى السعي إلى تحقيق حضور إيجابي عربي في
البلاد التركية (العالم التركي)، وكذلك حضور تركي إيجابي في البلاد
العربية.
قبل سنوات، وتحديداً قبل خمس عشرة سنة، كان الحديث عن ربط تركي-عربي في
أي مجال مستفزا نوعا ما. أما في السنوات الأخيرة، فإن تركيا تراجع
نفسها. وهذه المراجعة لم تبدأ، كما قد يُصور في الإعلام العربي، مع
مجيء حزب العدالة والتنمية، بل بدأ ذلك منذ مطلع الثمانينات من القرن
الماضي. فمنذ وصول الرئيس تورغوت أوزال إلى سدة الحكم، بدأت تركيا
تراجع حساباتها، إن على صعيد علاقاتها مع أوروبا أو مع العالم العربي.
ومن ثم، فإن مجرد قيام هذه الجمعية هي رسالة إلى البلاد العربية.
وأتمنى على المثقفين العرب والإعلاميين والأكاديميين العرب أن
يستوعبوها ويتفاعلوا معها إيجابيا.
v
أين يمكن وضع « الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون» ضمن
السياق التركي العام؟
¯
توجه تركيا نحو البلاد العربية كان دائما مرهونا بالسياسي والاقتصادي
ومحصورا بهما، فيما غابت الجوانب العلمية والفنية والثقافية، وحتى
الإعلامية. ومن ثم، فقد انطلقت رؤيتنا في تأسيس الجمعية من ضرورة ملء
هذا الفراغ، أو على الأقل المساهمة ولو بجهد متواضع في سد جانب منه.
وبعد الإصلاحات السياسية الأخيرة التي شهدتها تركيا، التي قادتها حكومة
«العدالة والتنمية» تحديداً، بتعديل بعض النصوص التشريعية، أصبح من
السهل للمجتمع المدني التركي أن يتحرك بشكل أكبر، بما في ذلك تأسيس
الجمعيات. وكانت فكرتنا هي التأسيس لعمل يبقى للأجيال، يخاطب بشكل
مباشر العلاقات التركية العربية على الصعيد الثقافي والعلمي والفني.
وكان المنطلق في طرح أسئلة من قبيل: لماذا لا يعرف المواطنون في البلاد
العربية أدباء وكتاب وشعراء وفنانين ومغنين وخطاطين أتراك، والعكس
صحيح، أي أن المواطن التركي لا يعرف كتاباً وأدباء وفنانين عرب؟ ولماذا
لا توجد مهرجانات مشتركة عربية - تركية؟
وهنا لا بد من التأكيد على استقلالية الجمعية، فمبعث تأسيسها هو الشعور
بواجب لمّ الشمل العربي - التركي. ومن بين المشروعات التي نطمح إلى
تحقيقها خلق توأمة بين الجامعات التركية والعربية، وتنشيط حركة الترجمة
بين اللغتين العربية والتركية؛ ليطلع كل فريق على إنتاج مبدعي الفريق
الآخر، وغير ذلك الكثير من مجالات التعاون التي ليس بالإمكان حصرها
هنا.
vإذن
عمل الجمعية في اتجاهين، تعريف التركي بالعربي، وتعريف العربي بالتركي.
لكن جميع مؤسسي الجمعية أتراك؟
¯
نعم، وهذا سببه أمران. أولاً: إنها تجربة جديدة، ونظرا للحساسيات
السابقة الموروثة راعينا أن يكون جميع المؤسسين من الأتراك. ومع ذلك
فإن عددا من المؤسسين هم من أصول عربية، ويتحدثون اللغة العربية. ومن
ناحية ثانية، فإن القانون التركي لا يسمح بوجود مؤسسين ليسوا مواطنين
أتراك.
v إذن،
هل معنى ذلك التعاون مع مؤسسات مشابهة موجودة في العالم العربي؟
¯
مبدأ الشراكة هو مبدأ أساسي في عملنا، وبدونه لن نكون قادرين على تحقيق
أهدافنا. ومن ثم، فإنني أدعو إخوتنا العرب إلى التعاون معنا، وأبوابنا
مفتوحة لأي نوع من الشراكات التي تخدم أهداف الجمعية. ومستعدون لأي
مقترحات في هذا الصدد. وأدعو المثقفين والمهتمين العرب جميعاً إلى أن
يكونوا أعضاء في جمعيتنا، ونشطاء في تحقيق أهدافــــها، وشركاء حقيقيين
في المجالات كافة.
v مع
تأكيدكم على العلمي والفني والثقافي في مواجهة طغيان السياسي في
العلاقات العربية-التركية، هل يشكل هذا البعد السياسي عامل إعاقة لعمل
الجمعية، لاسيما مع توجس بعض الأتراك من نموذج الإسلام السياسي في
العالم العربي؟
¯
في الساحة التركية على الأقل، فإننا لا نرى عائقاً من السياسي أمام
عملنا، بل هناك تكامل. فكما أشرت، فإن التوجه التركي نحو البلاد
العربية أصبح توجها استراتيجيا، أي بات خيار دولة، وليس خيار حكومة
«العدالة والتنمية» فقط. وهذا الامر ينسحب على البلاد العربية، حيث نجد
توجهاً صحياً إيجابياً من كثير من بلاد العربية نحو تركيا. ومن ثم،
فأعتقد أن الأرضية الآن مناسبة للغاية لولادة هذه الجمعية، لأنها تكمل
النقص.
وأشير إلى أنه رغم طموحاتنا الكبيرة في الجمعية وقدرتنا على إنتاج
الأفكار وعقد الملتقيات المختلفة، إلا أننا كجمعية أهلية لا نستطيع أن
نحقق كل ما نطمح إليه. لكننا مع ذلك نؤسس لمسار ذي بعد حضاري، يشكل
أرضية للأجيال القادمة. وبعبارة أخرى، فإن عملنا ليس فقط لا يتعارض مع
السياسي، بل يمتّنه كما يمتن الاقتصادي.
v
تتحدثون عن توجه تركي نحو العالم العربي، فما هي حدود هذا التوجه على
المستوى السياسي تحديدا؟ وما مدى صحة ما يراه بعض العرب بشأن دور تركي
موازن للدور الإيراني في المنطقة؟
¯
هناك إدراك تركي حقيقي لضرورة وجود توازن مع إيران، وهناك إرادة سياسية
بهذا الاتجاه. لكن إلى أي مدى تبدو تركيا قادرة حالياً على إيجاد هذا
التوازن؟ هذا سؤال يظل مطروحاً. لأن تركيا اختارت أن تكون فاعلة في
الشأن العراقي من الخارج وليس من الداخل، ولم تختر أن تكون جزءاً مما
يعرف بـ «قوات التحالف». والحرص التركي على دور فاعل في العراق ليس
مبعثه التوازن مع إيران فقط، بل لأن ذلك يرتبط بالأمن القومي التركي.
كذلك، فإن ما تقوم به تركيا اليوم من الوقوف بحزم أمام مشروع الدولة
الكردية في شمال العراق يصب في مصلحة البلاد العربية والشرق الأوسط
ككل، وليس المصلحة التركية فقط، لأنه يؤسس بشكل واضح لوحدة العراق.
فتقسيم العراق لن تكون له انعكاسات على أمن تركيا فحسب، بل على المنطقة
ككل.
إذن، فالبعد الإيراني حاضر في السياسة التركية الإقليمية، لكن ليس بشكل
مستفز للإيرانيين، لأن الأتراك حريصون على علاقات جيدة مع الإيرانيين
لعدة اعتبارات، منها الاعتبارات الأمنية بحكم الجوار بين البلدين،
والاعتبارات الاقتصادية، إذ يقدر حجم التبادل التجاري بين تركيا وإيران
بـ 10 مليارات دولار. كذلك، فإن تركيا كدولة صناعية تحتاج إلى الطاقة،
وهي تستورد جزءا كبيرا من الغاز الطبيعي من إيران، برغم المعارضة
الأميركية لهذا المشروع.
لكن السؤال: أين الدور العربي؟ وهنا فإنني أدعوا العرب، كتابا ومحللين
وحتى قادة، إلى التوقف عن التشكيك في الدور التركي، بل يجب التكامل مع
هذا الدور ومساندته، ليس فقط فيما يتعلق بالعراق أو التوازن مع إيران،
بل كخيار استراتيجي. وتركيا اليوم تمد يدها للعالم العربي الذي يبادلها
الأمر على استحياء. فحرص تركيا أن تكون عضوا مراقباً في جامعة الدول
العربية، وحتى في الاتحاد الإفريقي، يمثل تحولا كبيرا في السياسة
التركية، يجب التنبه إليه عربيا.
v
ضمن التحولات التركية، يجب السؤال عن مستقبل الديمقراطية في تركيا،
وضمنها مستقبل حزب العدالة والتنمية؟
¯
يجب أن ننطلق في الإجابة عن هذا السؤال من كون تركيا دولة مؤسسات،
بمعنى أن جميع الفرقاء أو الأطراف، السياسية أو العرقية أو غيرها،
تتحرك ضمن حلبة القانون. وخلافاً لحالة التخويف التي تنقلها بعض
المحطات الفضائية العربية بشأن مستقبل الديمقراطية في تركيا، فإنني
أعتقد أن ما يجري الآن هناك هو حالة صحية. فالخوف الحقيقي هو من
الدكتاتوريات التي ليست هناك ضوابط دستورية أو قانونية تحكمها، وهو ما
لا ينطبق على تركيا. لكن هنا يمكن القول: إن القصور في الحالة التركية
هو في النصوص الدستورية والقانونية.
ومن ثم، فقد كان يفترض بحزب «العدالة والتنمية» قبل عرض ملف الحجاب
تعديل نصوص قانونية تتعلق بالأحزاب، ووضع ضوابط تقيد قدرة المدعي العام
والقضاء التركي في حظر الأحزاب. وهو ما لم يتم مع أنه ملف مطروح منذ
سنوات، الأمر الذي شكل خطأ استراتيجياً من وجهة نظري ارتكبه حزب
العدالة والتنمية.
أما كيف يكون ما يحدث الآن في الساحة التركية حالة صحية، فيتمثل في
الدفع باتجاه الإصلاحات التشريعية، وضمنها الإصلاحات الدستورية.
v إلى
حين تنفيذ هذه الإصلاحات، ما هو مستقبل حزب العدالة والتنمية؟
¯
قبول المحكمة الدستورية للدعوى المرفوعة ضد «العدالة والتنمية» معناه
قناعة المحكمة بوجوب تهم تستوجب النظر فيها.
أيضا، جرت العادة في المحكمة الحكم بـ «نعم» في مثل هذا النوع من
الدعاوى. فالمحكمة هي أشبه ببرلمان مصغر من 11 عضوا يقومون بالتصويت.
وإذا استثنينا أربعة قضاة، فإن بقية الهيئة مكونة من قضاة من المدرسة
الكمالية أو قريبون منها، ولذلك تبدو المسألة محسومة بحظر حزب العدالة
والتنمية، وهي مسألة وقت ليس إلا.
مع ذلك، فإن هناك خيارات أو احتمالات كثيرة. منها أن يحل الحزب لكن يتم
قبل ذلك تأسيس حزب بديل. لكن في هذه الحالة ستظهر قيادات جديدة تشكل
حكومة مؤقتة ربما، وتكون ائتلافية مع أحزاب أخرى، وتدعو إلى انتخابات،
ليعود رجب طيب إردوغان ومجموعته كنواب مستقلين لأن المنع لا يحول ببينه
وبين الترشح وإنما يحظر عليه شغل منصب سياسي.
v ماذا
بالنسبة للتبعات السياسية والاقتصادية لقرار الحل هذا؟
¯
لا بد من القول إن حكومة العدالة والتنمية قد أنجزت الكثير، في مناح
مختلفة، على الصعيد السياسي كما الاقتصادي، لكن يبدو أن هناك أطرافا
خارجية لا تريد الاستقرار الذي شهدته تركيا منذ سنوات، وكذلك لا تريد
لها الدور الإقليمي الذي بدأت تضطلع به.
وذات الأمر ينطبق على أطراف داخلية تنطلق من مصالح ضيقة. وربما يكون
قيام حكومة «العدالة والتنمية» بفتح ملف الفساد السياسي والاقتصادي في
تركيا هو واحد من أسباب فتح النار عليها.
لكن لنفترض أن حكومة «العدالة والتنمية» انتهت، بل وانتهى الحزب ذاته،
يظل صحيحا أن التيار الإسلامي في تركيا أصبح محصناً من الداخل، لأنه لم
يعد بأي حال تياراً هامشياً، بل تحول إلى مؤسسات قائمة.
وهي ليست مؤسسات سياسية فقط، بل مؤسسات اقتصادية تشكل رقماً هائلاً في
الاقتصاد التركي.
وهذه من الرؤى التي يعود الفضل فيها إلى نجم الدين أربكان الذي دعا
التيار الإسلامي في تركيا منذ فترة مبكرة إلى تأسيس نفسه اقتصادياً.
واليوم فإن ما نسبته %70 من غرف التجارة التركية يسيطر عليها أنصار
التيار الإسلامي بشكل عام. إذن، فلا خوف على التيار الإسلامي في تركيا.
تأسست الجمعية في أبريل 2008، على يد نخبة من الأكاديميين والإعلاميين
والمثقفين الأتراك والعرب، باعتبارها منظمة أهلية غير ربحية وذات صفة
دولية، تسعى إلى:
1-
بناء جسور متينة للتواصل الحضاري بين الشعبين التركي والعربي في مجالات
العلوم والثقافة والفنون والإعلام والمجتمع المدني، وتطوير الرؤى
الإستراتيجية لهذا التعاون بما يحقق المصالح المشتركة لبلدان وشعوب
العالمين التركي والعربي.
2- المساهمة في تفعيل اتفاقيات التعاون العلمي والثقافي والإعلامي
والفني والمجتمع المدني المبرمة بين بلدان العالم التركي وبلدان العالم
العربي. والتشجيع على توقيع المزيد من اتفاقيات التعاون في هذه
المجالات، بما يحقق المزيد من التقارب بين الشعبين التركي والعربي.
3- العمل على تنشيط التعاون بين الهيئات الأكاديمية والمؤسسات العلمية
ومراكز الأبحاث والدراسات والتشجيع على البحث العلمي.
4- تفعيل الحضور العلمي والثقافي والإعلامي والفنّي لبلدان العالم
التركي في بلدان العالم العربي، والمساهمة أيضا في تفعيل الحضور العلمي
والثقافي والإعلامي والفنّي لبلدان العالم العربي في بلدان العالم
التركي، بالإضافة إلى العمل على تحقيق المزيد من التواصل والتعاون بين
مختلف هيئات المجتمع المدني في العالمين التركي والعربي؛ لتبادل
التجارب والخبرات والتشجيع على العمل المشترك.
وتضم الجمعية، كلاً من:
1- المعهد التركي العربي للدراسات والتوثيق: مؤسسة علمية وبحثية تعمل
على التوثيق العلمي للعلاقات بين بلدان العالم التركي وبلدان العالم
العربي، وتشجيع البحث العلمي والترجمة، وإصدار الكتب والنشرات المطبوعة
والإلكترونية، وتأسيس المؤسسات التعليمية والأكاديمية، وتنظيم
المؤتمرات والندوات العلمية والدورات التدريبية والمهرجانات والفعاليات
الثقافية والفنية وغيرها.
2- المنتدى التركي العربي للحوار الثقافي: يجمع النخب الأكاديمية
والإعلامية والمنظمات الأهلية والهيئات العلمية والثقافية والفنية من
بلدان العالم التركي وبلدان العالم العربي للحوار حول قضايا وملفّات
محدّدة، بهدف تحقيق مزيد من التواصل والتعاون. وسيقدّم المنتدى، باسم
الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون، «الجائزة التركية
العربية للتميّز»، وهي عبارة عن جائزة تقديرية رمزية ستقدّم دوريا لشخص
أو لهيئة تميّزت بإنجاز معيّن في أي مجال من المجالات التي تساهم في
تطوير العلاقات بين بلدان العالم التركي وبلدان العالم العربي.
|