العلاقات التركيه  - الاسرائيليه  .. الى اين ..؟

بقلم: د. وائل الريماوي

 

أوساط دولية عديدة تساءلت عما إذا كانت الأزمة في العلاقات التركية “الإسرائيلية” وصلت إلى نقطة اللارجوع، وعما إذا كانت أحداث غزة والمجابهة بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس “الإسرائيلي” شمعون بيريز في دافوس قد وضعت خاتمة للعلاقات الخاصة بين “إسرائيل” وتركيا. كما تتساءل هذه الأوساط عن احتمال تحول تلك العلاقات الودية إلى علاقات تصادمية بعد زمن طويل من “حلف الأطراف” الذي ضم “إسرائيل” وتركيا إلى جانب إيران وإثيوبيا.

بعض هذه الأطراف، وبينها فاعلون أتراك و”إسرائيليون”، حاولت أن تخفف من طابع الأزمة وأن تحولها إلى ما يشبه الزوبعة في فنجان. تسيبي ليفني وزيرة الخارجية “الإسرائيلية” أقرت بأن هناك توتراً في العلاقة، ولكنها قالت أيضاً إن العلاقات مهمة للطرفين وإن أياً من البلدين لن يفرط بها. كذلك نوهت ليفني بتصريحات تركية ميزت بين المصالح المشتركة البعيدة المدى التي تحتم التعاون بين البلدين، من جهة، وبين الموقف التركي السلبي تجاه أحداث غزة. المقصود بهذا التنويه كان موقف الخارجية التركية وكذلك موقف المؤسسة العسكرية التي أكدت أن العلاقات الخاصة التركية “الإسرائيلية” تستجيب إلى المصالح القومية التركية. إلى جانب ذلك نشط وسطاء أوروبيون وأمريكيون ومنهم بعض النشطاء اليهود في الولايات المتحدة إلى التوسط بين البلدين بقصد طي صفحة الخلاف واستئناف العلاقات المميزة بين البلدين. ولكن هل تنجح هذه المحاولات؟

ان إمكانية نجاح هذه المحاولات مرهون إلى حد بعيد بالأسباب التي دعت إلى التوتر في العلاقات التركية “الإسرائيلية”. إذا كانت هذه الأسباب محصورة بما جرى في غزة خلال الأسابيع الماضية، فإنه من المستطاع القول إن هناك إمكانية لتجاوز الخلاف والعودة إلى العلاقات المميزة خلال فترة قصيرة. بيد أن الأسباب ليست عارضة ولا تتعلق بأحداث غزة فحسب.

من هذه الأسباب ما يتعلق بعلاقات حكومة رجب طيب أردوغان الإقليمية. فحكومة أردوغان تقيم علاقات وثيقة وقديمة مع حماس، وذلك في إطار العلاقات بين أحزاب ومنظمات سياسية تستلهم العقيدة الدينية الإسلامية. تعبيراً عن هذه العلاقات، سعت أنقرة إلى إقناع الأوروبيين والأمريكيين بالتخلي عن الموقف السلبي تجاه حماس وإلى إقناعهم بأن حماس مؤهلة لكي تلعب دوراً مهماً وإيجابياً في عملية السلام. وتعبيراً عن هذا الموقف أيضاً استنكر الزعماء الأتراك اغتيال “الإسرائيليين” زعيم حماس ومؤسسها الراحل الشيخ أحمد ياسين. فضلاً عن العلاقة مع حماس، فإن حكومة أردوغان ساهمت في تطوير العلاقات السورية التركية من علاقات تصادمية وصلت إلى شفير الحرب بين البلدين، إلى علاقات ودية وتنسيق ملحوظ على المستويين الإقليمي والدولي.

المواقف هذه، خاصة العلاقة مع حماس أثارت استياء في “إسرائيل”. أما في ما يخص العلاقة مع دمشق، فقد ظل هذا الأمر مثيراً للقلق وللتحسب في “إسرائيل” إلى أن بدأت المحادثات السورية “الإسرائيلية” بوساطة من تركيا. ولكن مع ذلك، فإن “إسرائيل” تفضل أن تتوسط تركيا بينها وبين سوريا دون أن يكون لأنقرة علاقات جيدة ودافئة مع دمشق. إنها تقبل هذه العلاقات ولكن على مضض.

مواقف أنقرة وانتقاداتها الحادة تجاه العدوان “الإسرائيلي” على غزة جاءت لكي تزيد من الحسابات السلبية في “إسرائيل” تجاه حكومة أردوغان، ولكي تضيف إلى الحسابات السابقة ملفات جديدة. وعلى هذا الصعيد لم يتضايق “الإسرائيليون” من مواقف الحكومة التركية العلنية فحسب، وإنما تضايقوا أيضاً من الإجراءات العملية التي لم يعلن عنها كثيراً مثل حملة التعبئة التي نظمتها وزارة التعليم والتربية التركية في المدارس تضامناً مع الشعب الفلسطيني والمشاركة النشيطة لحزب العدالة والتنمية في كافة المظاهرات التي طالبت الجيش التركي “بالسير باتجاه القدس”.

ان كان ل “إسرائيل” بعض الأسباب القديمة للشكوى من حكومة أردوغان، فلأنقرة أسبابها هي الأخرى. الزعماء الأتراك ينظرون بقلق واستياء لما يتسرب إليهم من تعاون وثيق بين الجماعات الكردية التركية الانفصالية، من جهة، وبين “الإسرائيليين”، من جهة أخرى. هذه المعلومات لم تعد سراً، فقد نشر الصحافي الأمريكي سايمون هيرش تحقيقاً كاملاً عن قيام الموساد “الإسرائيلي” بتدريب عناصر الحزب العمالي الكردستاني وتعزيز قدراته العسكرية. هذه العلاقات لم تثر غضبة الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية فحسب، وإنما أثارت ردة فعل قوية حتى بين الأحزاب الكمالية والقومية التركية المعارضة لحكومة أردوغان، وساهمت في إطلاق موجة من “العداء للسامية” في بلد لم يعرف شيئاً من هذا من قبل، كما ذكرت بعض الصحف “الإسرائيلية”.

السجل هذا في العلاقات التركية “الإسرائيلية”، مضافاً إليه الغضبة التركية الشعبية على العدوان “الإسرائيلي” على غزة سوف يقف ضد عودة العلاقات إلى سابق عهدها. بيد أن “إسرائيل” سوف تبذل كل جهد لكي تعيد تركيا إلى “بيت الطاعة” حيث كان من المستطاع جر الأتراك إلى اتخاذ مواقف ضد العرب وضد الفلسطينيين تحت طائلة الحرص على رضا العالم الأطلسي الحريص على أمن “إسرائيل” على تركيا. ولسوف يشجع “إسرائيل” على ولوج هذا الطريق أن الدول العربية لن تقف، كمجموعة، إلى جانب تركيا لكي تشد في أزرها في مواجهة الضغوط “الإسرائيلية”، كما لاحظ محمد علي بيران الإعلامي التركي في فضائية “سي.إن.إن” التركية. هل تنجح “إسرائيل” في هذه المحاولات؟

“الإسرائيليون” قد ينجحوا في إعادة الصحوة إلى العلاقات التركية “الإسرائيلية” ولكن من الصعب أن تعود هذه العلاقات مرة أخرى إلى سابق عهدها، أي إلى طابع العلاقات المميزة. فهذا النجاح المحتمل سوف يصطدم بقوة بنجاح آخر حققوه في مضمار استعداء الرأي العام التركي ودفع الأكثرية الساحقة من الأتراك إلى الالتفاف حول حزب العدالة والتنمية. الاحصائيات التي جرت مؤخراً تدل على أن مواقف الحزب خلال حرب غزة نالت تأييد قرابة 80% من الأتراك، وأن نسبة الذين يؤيدونه، بصورة عامة، تبلغ حوالي 50% منهم. وتؤكد الاستطلاعات الأولية أيضاً أن الحزب سوف يحقق نجاحاً كبيراً في الانتخابات المحلية التي سوف تجري خلال شهر مارس/ آذار المقبل. في نفس الوقت، فإن الاستطلاعات “الإسرائيلية” ترجح أن يفوز تحالف نتنياهو ليبرمان بأكثرية الأصوات في الانتخابات “الإسرائيلية” القريبة. في هذه الحالة فإن تركيا و”إسرائيل” سوف تسيران على طريق التباعد لا التقارب.