الصفحة الرئيسية

 

الرؤيا التركية الإيرانية للاتفاقية الأمنية في العراق

 

بقلم : د. إبراهيم البيومي غانم

( كاتب وأكاديمي مصري )

 

انتخابات مجالس المحافظات العراقية، ومن قبلها أحدث العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة، صرفت الأنظار عن "الاتفاقية الأمنية" بين العراق والولايات المتحدة التي أقرها أقر البرلمان العراقي في 27/11/2008، وهي تتحدث عن سحب القوات الأمريكية من العراق و"تنظيم أنشطة هذه القوات خلال وجودها المؤقت"، على حد ما ورد في عنوان الاتفاقية، التي تركز على تأمين وجود قوات الاحتلال وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة انطلاقاً من العراق؛ وذلك لفترات طويلة الأمد تتجاوز التاريخ المحدد للانسحاب النهائي لجميع القوات الأمريكية من العراق قبل نهاية ديسمبر 2011.

مرت الاتفاقية الأمنية مع أمريكا في هدوء ودون ضجة كبيرة، رغم أن بنودها لا تخص العراق فقط ، وإنما سيكون لها انعكاسات كبيرة على الأمن القومي العربي وإعادة بناء موازين القوى في الشرق العربي بشكل عام.

مصر ليست بعيدة عن تداعيات هذه الاتفاقية بأي حال من الأحوال ، وهذا ما أكدته سريعاً أحداث العدوان الهمجي على غزة، وانعكاساته على أمن مصر، والأمن القومي العربي بشكل عام، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية بشكل خاص. 

المثير للانتباه هو الصمت العربي المطبق الذي أحاط بتوقيع الاتفاقية وإقرارها من الجانب العراقي ممثلاً في الحكومة ومجلس النواب، وكأن هذه الاتفاقية تخص العراق وحده دون غيره من البلدان العربية؛ سواء المجاورة له؛ وخاصة السعودية، وسوريا، أو التي ستتأثر بتداعيات هذه الاتفاقية إن عاجلاً أو آجلاً وفي مقدمتها مصر.

غموض الرؤية العربية تجاه الاتفاقية الأمنية، قابله وضوح في رؤية دول الجوار الإقليمي الأساسية المحيطة بالعراق: إيران من الشرق، وتركيا من الشمال.

الموقف الإيراني اتسم بقدر كبير مما يمكن تسميته " الغموض الاستراتيجي الفعال"؛ بمعنى عدم تحديد موقف واضح وحاسم من الاتفاقية طوال فترة المداولات بين الجانبين العراقي، والأمريكي خلال العام الأخير من ولاية الرئيس بوش. هذا الموقف تمت ترجمته على أرض الواقع بإجراءات تكاد تكون متناقضة للوهلة الأولى؛ فقد شجعت إيران أنصارها في الحكومة العراقية للمضي قدما في توقيع الاتفاقية، وفي الوقت نفسه دفعت عناصر أخرى من مؤيديها( التيار الصدري ومجموعات أخرى) لكي تعارض الاتفاقية وتحاول عرقلتها، أو على الأقل لتطيل أمد "التفاوض" بشأنها؛ باعتبار أن ذلك من شأنه التخفيف من الضغوط الأمريكية على إيران في قضية الملف النووي. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن ترحب إيران بالاتفاقية الأمنية باعتبار أنها تضمن فعلياً ـ وليس قانونيا طبعا ًـ إدارة أمريكية/إيرانية مشتركة للعراق من خلال أنصارها في الحكومة العراقية التي تسيطر عليها أغلبية شيعية لها روابط قديمة بإيران. 

ترحيب إيران للاتفاقية الأمنية يحقق لها مكسباً آخر في مواجهتها المنتظرة مع إدارة الرئيس المنتخب أوباما؛ حيث من المتوقع أن تنتهج إدارة أوباما منهجاً مختلفاً عن إدارة المحافظين الجدد في عهد بوش، ومن ثم فإن الترحيب الإيراني بالاتفاقية يمكن فهمه على أنه رسالة حسن نية لأوباما بأمل فتح مجال للحوار والتخفيف من الضغوط التي كانت تمارسها إدارة سلفه ضد إيران.

الحسابات الإيرانية السابقة ـ من منظور الاتفاقية وتداعياتها المستقبلية ـ تعني أن إيران تريد عراقاً فيدرالياً هشاً. تريده عراقاً مستأنساً لا يشكل خطراً عليها، بل يظل ساحة نفوذ ممتدة في المستقبل. تريده عراقاً محكوماً بمعادلات القوة الإقليمية التي تقوم إيران ذاتها بدور أساسي فيها، ولا تريده عنصراً متحكما في هذه المعادلات مثلما كان عليه قبل الغزو الأمريكي.

على الجانب الآخر نجد الموقف التركي من الاتفاقية متسماً بقدر كبير من القلق الاستراتيجي؛ فتركيا ترى أن الاتفاقية من شأنها عرقلة عملياتها العسكرية ضد متمردي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وخاصة أن معظم القواعد العسكرية الأمريكية ستكون متمركزة في إقليم كردستان العراق جنوب تركيا. سيكون على تركيا أن تطلب إذناً من حكومة بغداد لضرب قواعد حزب العمال بشمال العراق، بعد أن كانت تحصل من الأمريكان على الضوء الأخضر بشن هجماتها هناك. ويزداد قلق الحكومة التركية أيضاً في ظل احتمال تنامي سلطة حكومة إقليم كردستان العراق إلى الحد الذي يشجعها على الانفصال، ومن ثم ينشأ تهديد مباشر للأمن القومي التركي بالنظر إلى إمكانية مطالبة أكراد تركيا بحكم ذاتي مماثل لإخوانهم في شمال العراق. 

تركيا قلقة أيضاً من الاتفاقية الأمنية لكونها قد تضعف قدراتها على المساهمة في إعادة توازنات القوى في المنطقة، فتركيا تريد أن يكون العراق دولة موحدة، وقوية، وذات دور فاعل ـ وليس خاملاً ـ في بناء توازنات القوى الإقليمية؛ إذ ليس من مصلحة تركيا أن يظهر العراق الجديد بلا لون ولا طعم ولا رائحة وهو بثوب الدولة الفيدرالية التي تكرس الانقسامات الطائفية والمذهبية كما تريد إيران، وتشاركها أمريكا في ذلك، وليس من مصلحة تركيا أن ينزلق العراق في حرب أهلية، أو أن يقع تحت النفوذ الإيراني الكامل؛ وهو احتمال يتنامى  نتيجة الغياب العربي الكامل عن العراق. لكل هذه الأسباب لم ترحب تركيا ـ الحليف القوي للأمريكان ـ بالاتفاقية الأمنية، وهي تسعى لتطويق التداعيات السلبية التي يمكن أن تنجم عنها.

 

الصفحة الرئيسية