الصفحة الرئيسية

 

غضبة أردوغان في دافوس .. حسابات وتداعيات

بقلم : اسماعيل ياشا

( كاتب وصحفي تركي )

 

أنقرة تدرك أن تقسيم المنطقة إلى محاور وتأجيج التوتر بين طهران من جهة وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، لا يخدم إلا مصالح الطرفين، وأنهما سيتصالحان في نهاية المطاف بعد مساومات، في حين أن شعوب المنطقة الأخرى هي التي تدفع الثمن. ومن هذا المنطلق، فهي عازمة على التدخل كقوة إقليمية، للمساهمة في حل قضايا المنطقة، وإفشال لعبة المحاور لكي لا تترك الخيارات رهينة بيد هذا المعسكر أو ذلك.

بقلم إسماعيل ياشا

دون رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مساء الخميس الماضي في سجلات التاريخ موقفا مشرفا له شخصيا ولحزبه وحكومته وبلده، في منتجع دافوس بسويسرا، حيث انسحب من منتدى دافوس ـ وإلى الأبد كما قال ـ بعد حرمانه من قبل مدير الجلسة من التعليق على مداخلة الرئيس الصهيوني شمعون بيريز حول الحرب الأخيرة على غزة.

هذا الموقف الشجاع لأردوغان لابد أن تكون له تداعيات على الساحتين الداخلية والخارجية. وكانت أولى هذه التداعيات في تركيا، أن يحتشد آلاف الأتراك في منتصف الليل رغم برودة الطقس أمام مطار إسطنبول، للاحتفاء بزعيمهم الذي رفع رؤوسهم عالية.

ومما لا شك فيه أن غضب أردوغان في دافوس على مدير الجلسة زاد من شعبيته في الشارع التركي، الأمر الذي سينعكس حتما على الانتخابات المحلية التي ستجري بعد حوالي شهر. ومع ذلك، فإن الأغلبية الكاسحة ترى أن احتجاج أردوغان لم يكن أمرا مدبرا بدافع كسب ثقة الناخب، بل كان غضبه ينبع من قناعته ووجدانه.

وفي استطلاع للرأي أجري بعد انسحاب أردوغان من منتدى دافوس، أيد 78 بالمائة من المستطلعين آراؤهم موقف أردوغان في دافوس، بينما عارض 12 بالمائة منهم على هذا الموقف. والشعب التركي بطبيعته يحب الزعماء الذين يتمتعون بشخصية، قوية ولهذا فإن تصرف أردوغان في دافوس الجريء، وبعيدا عن مجاملات الدبلوماسية، أبهر الشارع التركي الذي اعتبر أن أروغان دافع عن كرامة الأمة التركية وشرفها أمام هجوم الرئيس الصهيوني وإساءة مدير الجلسة.

أما تداعياته في الخارج، فظهرت في الشارع الإسلامي، عبر التعاطف الكبير مع تركيا ورئيس وزرائها، وأصبح أردوغان مثالا يطالب الناس في البلاد الإسلامية حكامهم أن يحذوا حذوه.

أنقرة تدرك أن تقسيم المنطقة إلى محاور وتأجيج التوتر بين طهران من جهة وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، لا يخدم إلا مصالح الطرفين، وأنهما سيتصالحان في نهاية المطاف بعد مساومات، في حين أن شعوب المنطقة الأخرى هي التي تدفع الثمن. ومن هذا المنطلق، فهي عازمة على التدخل كقوة إقليمية، للمساهمة في حل قضايا المنطقة، وإفشال لعبة المحاور لكي لا تترك الخيارات رهينة بيد هذا المعسكر أو ذلك.

وتركيا تسير منذ تولي فوز حزب العدالة والتنمية الحكومة باتجاه العودة إلى العالمين العربي والإسلامي، بالتوازي مع مواصلة مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إيمانا بأن تعزيز علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي، سيشكل لها عمقا إستراتيجيا، وهو بالفعل عمقها التاريخي، تستند إليه في مفاوضاتها مع الغرب عموما والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص.

وقد عززت تركيا علاقاتها مع معظم الدول العربية على المستوى الرسمي باتفاقات ثنائية، كما وقعت اتفاقات مهمة مع الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، وها هي اليوم تعزز مكانتها في الشارع العربي وقلوب العرب الملايين، وتسرع عودتها إلى المنطقة لتسد الفراغ.

هناك جانب آخر متعلق بما حدث في دافوس، وهو مستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية. يرى بعض المحللين أن العلاقات التركية الإسرائيلية ستتأثر سلبيا، وأن اللوبي اليهودي سيكون بالمرصاد لمعاقبة تركيا، إلا أن كثيرا من المحللين يرون أن العلاقات التركية الإسرائيلية لن تتغير جذريا في مثل هذه المواقف، معترفين بأنها قد تتراجع قليلا ولكن هذا التراجع سيكون أمرا طبيعيا، لكون العلاقات بين البلدين قد تطورت في التسعينيات بشكل غير متكافئ لصالح الكيان الصهيوني، وبالتالي فإن تراجعه ليس إلا عودة للعلاقات إلى طبيعتها.

إن الكيان الصهيوني يدرك تماما أنه بحاجة إلى تركيا أكثر من حاجة تركيا إليه، وهي حقيقة يدركها القادة الأتراك أيضا، ومن المؤكد أنه سيسعى إلى تجاوز هذه الأزمة، ولهذا اتصل بيريز بأردوغان بعد انسحابه من منتدى دافوس، ليعتذر منه، ويبلغه بأنه رفع صوته لأنه لا يسمع جيدا لكبر سنه.

وأما اللوبي اليهودي، وما يملكه من أوراق، أشهرها سحب ضغوطه على الولايات المتحدة في قضية ما يعرف بإبادة الأرمن، فإن أنقرة ترى أن هذه القضايا قد تكون فيها يد للوبي اليهودي، ولكن البلدان في النهاية تتصرف بناء على مصالحها، كما أن السياسة الخارجية التركية لا يمكن أن تظل أسيرة اللوبي اليهودي، حتى لا يثير قضية إبادة الأرمن وغيرها، قم إن تركيا مستعدة منذ فترة لتواجه هذه القضايا، كالقضية الكردية ومشكلة الأرمن، حتى لا تسجل نقاط ضعف يستغلها الآخرون ضدها.

وفيما يتعلق بوساطة تركيا في المفاوضات بين سوريا والكيان الصهيوني، تقول أصوات في إسرائيل إن تركيا فقدت حياديتها ولن تقبلها إسرائيل بعد الآن وساطتها. وردا على سؤال حول هذا الموضوع، قال رئيس الوزراء التركي عبد الله غول، إن تركيا دولة كبيرة وذات أهمية بالغة في المنطقة، وتسعى دائما للأمن والسلام، وعلى الجميع أن يدرك هذه الحقيقة ويستفيد منها. وأضاف: "إن كان هناك من لا يرغب في الاستفادة من الدور التركي فهذا شأنه".

وبعد هذا، يبقى سؤال أظنه يشغل بال كثير من القراء، وهو "ماذا يقول الجيش التركي؟"

أعرب الجيش التركي عن رأيه في الأزمة مع إسرائيل، وقال في بيان إن الاعتبار في العلاقات بين البلدين هو المصالح المتبادلة. ومن المعروف لدى المتابعين للشؤون التركية، أن الجيش التركي لا يتمتع بالنفوذ القوي في السياسة كما كان في السابق، وأنه في وضع لا يحسد عليه، بسبب الكشف عن تورط بعض ضباطه في محاولات الانقلاب على الحكومة ما أدى إلى اعتقالهم ومحاكمتهم. قد يكون هناك ضباط منحازون إلى الكيان الصهيوني، ولكن لا يمكن أن ينحاز الجيش دائما بأكمله إلى إسرائيل، ولا شك أن في الجيش التركي أيضا ضباطا وطنيين يراعون مصالح بلادهم بالدرجة الأولى.

 

 

الصفحة الرئيسية